الصالحي الشامي
274
سبل الهدى والرشاد
قال ابن المنير : لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسجته الملائكة ودهش الناس واختلف أحوالهم في ذلك وأفحموا واختلطوا فمنهم من خبل ومنهم من أقعد ومنهم من أصمت فلم يطق الناس الكلام ، ومنهم من أخبل فكان عمر فجعل يجلب ويصيح ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكنه ذهب إلى ربه كما موسى بن عمران حين غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم ، وكان ممن أقعد وفي لفظ عقر علي فلم يستطع حراكا ، وكان من أخرس عثمان بن عفان حتى جعل يذهب به ويجاء ولا يستطيع كلاما ، وأما عبد الله بن أنيس فأضنى حتى مات كمدا . وروى ابن سعد عن عكرمة قال : لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا : عرج بروحه كما عرج بروح عيسى الحديث وقال العباس - رضي الله تعالى عنه - : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأسن كما يأسن البشر وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مات . . . إلى آخره ، فهذا مرسل كما ترى ، ورواه إسحاق بن راهويه بسند رجاله رجال البخاري إلا أن عكرمة لم يسمع من العباس فإن كان الواسطة بينهما عبد الله بن عباس فهو صحيح ، وقد رواه الطبراني من طريق ابن عيينة عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عن العباس بنحو وهو على شرط البخاري . قال الحافظ ابن حجر فما وجد بخطه : وهذا الذي قاله العباس لم ينقله عن توقيف بل اجتهادا على العادة ولا يستلزم أن يقع ذلك ، ولما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزينت الجنان لقدوم روحه الكريمة كزينة المدينة يوم قدومه إذا كان عرش الرحمن قد اهتز بموت بعض أتباعه فرحا واستبشارا فكيف بقدوم روح الأرواح ، وكادت الجمادات تتصدع من ألم مفارقته - صلى الله عليه وسلم - فكيف بقلوب المؤمنين لما فقد الجذع الذي كان يخطب إليه قبل اتخاذ المنبر حن إليه وصاح ، كان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال : هذه خشبة تحن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه . فلو ذاق من طعم الفراق رضوى * لكان من وجده يميد فقد حملوني عذاب شوق * يعجز عن حمله الحديد وقال غيره : وقد كان يدعى لابس الصبر حازما * فأصبح يدعى حازما حين يجزع وروى أبو علي بن شاذان عن سالم بن عبيد الأشجعي قال : لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أجزع الناس عليه عمر بن الخطاب . وروى أبو الحسن البلاذري بسند جيد عن عروة قال : لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عمر فأصابه خبل فأقبل يقول ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .